تلعثم ثم صمت في حرم تمخض الجبل وسحر عسر ولادته

أحد, 28/01/2024 - 11:38

تلعثم ثم صمت في حرم تمخض الجبل وسحر عسر ولادته
———- 

سأجني على نفسي إن حاولت الكتابة عن تأليف لأحد أشرعة الكلمة، و أبهى كواكب الذلاقة، و أعمق بحار البلاغة، وأعظم شموس البيان في سماء العصر: العميد محمدٌ ولد إشدو فارس ساحات الحق و شريط التمرد الأحمر على جبين الثورة الخالدة، لكن الجرأة ظلت تمسك بتلابيب  ذائقني  الأدبية المفتونة  تؤزها أزا، لمحاولة تدوين الدهشة  و رسم الذهول، و القبض على  الإنبهار في قارورة الوصف والتعبير الضيقة. 

ورغم ذلك مازلت منذ أكثر من شهر أمسك الكتاب _بيميني_ كل مساء، أرتشف  السحر المعتق في سطور التمكن والتفوق والتميز والإقتدار، فتأخذني سكرة الإمتاع و الانبهار و لذة التذوق اللاذع لحروف الإهداء  المدهش، المفعم بمزج فريد بين العواطف الجياشة، و الإرادة الجبارة و قوة الصمود  الأخاذة، فأجدني حرفيا في حالة تكبيل تام، وعجز كامل عن التعبير،  ضمن عملية خطف ذهني وعاطفي عنيف، تماما كالتي بقيت مخلدة في صورة حية صارخة في أحد شواهد "لگتري" في حالة صلب شعوري أبدي بين أوتار التيدينيت: ذلك الزورق المبحر عبر الخرائط الوراثية في شغاف قلوب الذائبين بين سكرة النغم و أنين الروح:
 
أعْـوَيْشَ فَالْ  اللي وَسَـاتْ @@ مَـايُكنى لامـْرْ الخَـاوَ 
حَـامَـتْ بالدَّلّالْ ءُ خَـلَّاتْ @@ بين الدّلالْ امعَ الهَـاوَ 

 هكذا بقيتُ أسيرة هذا الإهداء  طيلة شهر    عجزت خلاله عن تجاوز سطوة سطوره، أحرى الكتابة عنه، خاصة عندما يبدأ الكاتب بتقديم صورة كثيفة لشفقة بناته و مرارة إشفاقه عليهن من وجع قرار  اتخذه عهدا و حمله وعدا، بالمضي فيه  بكل جلد وصبر، حيث يقول: (إلى بناتي اللاتي تشبثن بي وهنا من الليل متضرعات أن أتنحى عن هذا الملف  وعيونهن تفيض من الدمع، وهن يرين ذئاب صحافة الأمعاء والذباب الالكتروني تتناهش أباهن في هذا العمر، لتثنيه عن الدفاع عن بطل وطني مغدور ومظلوم!)

وما أروع انتقال قلم الكاتب من  قعر بيته و أجواء الحميمية التي ترافق صورة لحظات توديع المحارب لصغاره قبل خروجه  لمصارعة  أنياب المغامرة و ورماح التهلكة،  إلى ميدان المعارك وتسارع نبض انتظار المجهول المدلهم، يردف ولد إشدو:  ( لقد كان الجو حينها رهيبا وقاتما وعسيرا، تفوح منه روائح التآمر والإفك والكراهية النتنة، ويطفح بالزور والبهتان.. وينبري جيش 60 محاميا ( منهم من تقاسموا معي بالأمس خندق الحق والكرامة والدفاع)  يمزق الدستور والقانون ويدوس الثوابت  والقيم  والأخلاق، ويتبارى في سحل رجل بريء لأغراض سياسية انقلابية، ويتذرع باسترجاع  أموال  الشعب المنهوبة" التي ما أنزل الله بها من سلطان! ولا يشذ أحد يشار إليه أو مؤسسة أو جهة عن التمالؤ على الباطل، وانتهاك حقوق وحرية الدفاع وكرامة وحرية المدافع، إلا من رحم ربك!). 

وفي لقطة تبرق فيها أنياب شراسة التحدي و كأنها صعق سماوي جهنمي، ينتفض قلم الكاتب من وداعة حنينه لماضيه المشترك مع  رفقاء الأمس خصوم اليوم، و انكسار خيبة أمله في نخب وطنه، قدوات الماضي و عبر الحاضر،  ليكتب بخنجر الإقدام على صدر البسالة عن موكله، كل الكلمات التي تستفز بأس السلطات وتثير حفيظة الخصوم، وكأنه بكف عملاقة خض قعر المواجهة لترميه بأكدر و أكثف وأثخن ما بها من طين و طحلب و شعاب صفاقة و دمامة، يقول: 
(إلى الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي بوطنيته وشجاعته و صدقه وصبره وبعد نظره وذكائه الخارق، وإحاطته بأمور الدولة، وإلمامه بالتفاصيل، وإيمانه بالله وبموريتانيا ألهمنا الشجاعة، والشموخ، والعزة، و الصبر، والثقة في حتمية النصر، و المثابرة على العمل!)

ثم في لحظة خارقة لدساتير  المعقول، كاسرة لقواعد التسلسل الرتيب لفقرات الوقت المملة ، متحررة من عقارب الزمن، يقفز بنا سحر بيان الكاتب  إلى حلقة كر للحق على جثة الباطل،  في استعراض انتقامي يشفي صدور كل المؤمنين بحتمية انتصار الحق، ولو طال ليل الظلم، حلقة  تدفع القارئ لا إراديا  إلى تأدية رقصة فرح افريقية  صاخبة و جامحة حول السنة لهب الحماسة و على وقع حوافر تدفق الادرينالين في شبكات الانطفاء و الخمول و اليأس.. يقول وهو يرفع إشارة النصر على مرتفع التباهي و الاعتزاز: 

(…إلى هؤلاء جميعا أهدي هذا الكتاب بعد ما زهق الباطل، وانقلب السحر على الساحر.. ولم يعد يشك في كيدية وبطلان وبهتان إفك "فساد العشرية" إلا مستفيد، أو جاحد، أو منافق!)
أما  عن بقية درر وصفحات الكتاب فلم أستطع كسر لجام العجز عن التعبير، للحديث عن قببها الذهبية وحدائقها الفضية و ليلها القمري ونهارها المشمس وملاحمها القانونية الأدبية الأسطورية، فاكتفيت بالتعليق على الإهداء الذي هو أقل ما بالكتاب  من جماليات وإبداعات. 

يا له من إبداع وسحر وإمتاع، أنصح القراء بهذا الكتاب، فحتى لو اختلفتم سياسيا مع مضمونه فلن تختلفوا  قطعا على بهاء حروفه.

#بقوة_شعبها_موريتانيا_ستنتصر