اشمئزاز و امتعاض/ جمال ولد اليسع

جمعة, 22/09/2023 - 14:48

بنشاب : إلى الذين ماتوا مؤخرا، وما انفكوا يواصلون، حتى الآن، تخفيف محنة مُقامنا في هذه الدنيا: ديمي بنت سيداتي، سيداتي ولد آبه، مالو ولد محمادو، جده بنت أعمر ولد ديده، رقيّه بنت النانه، محمد ولد حمباره…

…………

في يوم 2 سبتمبر 2023، هاجمت مجموعة من الجانحين، في زهرة العمر، رجلا و امرأة كانا داخل سيارة، على مشارف مدينة تكنت، مستغليْن حميمية الليل. و فرض المعتدون على المسكينيْن فدية، ثم خلعا ملابس الفتاة، و بازدراء لا يمكن وصفه، ألحقا بها كل الإهانات. و لأنهم لم يرتاحوا لعدم تمكنهم من الحصول على ما يكفي من النقود، قاموا بتصوير مشاهد فظيعة، قبل بثها في شبكة التواصل الاجتماعي.

و باحتجاج طفيف، غمغم الرجل الذي تجاوزته الأحداث و سَفُل أمام الفجاءة العاصفة للفضيحة، لكنه امتنع أن يسعى في نجدة حبيبته. فيما علمنا، لاحقا، أنه زوجها، وفق عادة الزواج في السر: و هو واحد من الممارسات الزوجية الفضولية التي يفقد أمامها القانون روحه و القانوني صوابه.

كانت صرخات السيدة و صور نكبتها تمزق القلب و تثير الانفعال.  كان بإمكان هذه الإهانة أن تبقى في مستوى الخبر التافه، لو أنها لم تعانق التاريخ و السوسيولوجيا. و لحسن الحظ أن ترسبات الذكريات البشرية تتمكن، دائما، من استعادة أو على الأقل، اللحاق بإعادة كتابة الماضي و اختطاف الذاكرة، ذلك المسعى المزدوج الذي تزدهي من خلاله الجريمة.

هنا يتقاطع سجلان من السخط، فلتسمحوا لي بكشف الترتيب التنازلي للأدلة دون التخفيف من قيمة تداعيات الأخير.

1- بالرغم من استقلاليةٍ نسبية اخترقت الانقسامات العرقية و التسلسل الهرمي القديم، فإن المرأة تمتلك في موريتانيا مستوى من الحصانة ترسخت خصوصيته في عادات من الحب اللطيف والعطف الأبوي والشهامة. و مع أنهن يبقين قاصرات وفقا لمقتضيات الأحوال الشخصية، فإن أمهاتنا و أخواتنا و بناتنا و أراملنا الشيباوات ما فتئن يمارسن سلطة تأثير على المجتمع في السراء و الضراء. يعامل الرجال النساء، في المجتمع الناطق بالحسانية، سواء كانوا أحرارا أو مسترقين، بكثير من التودد و بكثير من عفة النفس، و بالقريض الجزل، و بقبول شرط الزواج الأحادي، و القدرة على الحصول على الطلاق السهل.

و عندما ينسحب الزوج،المرفوض، من البيت، يترك وراءه الخيمة و الأثاث كشاهد على الشرف. كان ذلك بالأمس لا شك، و سنحرص على ألا نندم على أحداث سابقة متخمة بالفظاعات، مثل تسمين الفتيات، و ولع الأزواج بممارسة الجنس مع القاصرات، و الرق،و استغلال الأسياد للإماء جنسيا، و كافة حالات التفاوت الناتج عن المولد. و يبدو منطقيا، أن الزمن الذي نعيشه حاليا يبشر بما هو أفضل،كما تضمن الدولة العصرية ازدهارا أرقى. بيد أن ما تبشر به الدولة العصرية تمت خيانته. فبالنظر إلى انفجار نزاعات الطلاق و رعاية الأطفال، و إحصائيات العنف القائم على النوع، فإن محو ما تركه السلف يُنتج تراجعا يتسم بالمفارقة. ففي المدينة، حيث أصبحت تعيش غالبية السكان، لم يعد ضرب سيدة، و شتم آنسة، و استغلال فتاة، يشكل ذروة العار الذكوري. فبعض روابط النضال النسوي ولدت كردة فعل على انهيار المرجعيات، و أصبحت تطالب، بدلا من التساهل، بمساواة الجنسين، و الإنصاف دون توهين أو لف أو خدع لغوية.فهي تقول، في الجوهر: “إننا نستعيد حقنا الشامل، حافظوا على مسلكياتكم، نريد ما نستحق وفق ما فُطر عليه الإنسان في البدء”.

منذ سنة 2014، تجاهد المناضلات النسويات بغية الحصول، دون جدوى، على التصويت على مشروع قانون يمنح العقد الاجتماعي الحد الأدنى من الحماية ضد العنف المنزلي الذي تنتج عنه، كل سنة، عشرات حالات الاغتصاب و عدد من حالات القتل بحق النساء. 

و يتمترس الجهاز القضائي، العاجز أو المتمالئ، خلف الفراغ القانوني و احترام مبادئ الشريعة، في حين تحول الحكومة نسخة من مشروع القانون إلى المجلس الأعلى للفتوى والمظالم، بينما يكون البرلمان، تحت تأثير الزبونية الانتخابية، في حالة انتظار.. و من هنا إلى غاية الخلاص، تظل النساء تقاسين وتعانين وتمُتْنَ في سرية تامة.

2- من هي الضحية؟ يبدو الجواب على هذا السؤال شحيما مكتنزا بالرعب لدرجة تبرر التصامم. يتعلق الأمر بخديجة بنت سيدي محمد ولد أحمد لوله، المنحدرة من أسرة عريقة من فناني الترارزه. عندما يستقبل سيدي محمد الضيف في منزله المتواضع، يغرقه جنون كرم الضيافة المحموم في دُوار تائه. و في خضم حفل موسيقي ترحيبي، يأخذ سيدي محمد تيدينيته و يبدأ بديباجة انتمايس، فيما يركض ليسلخ الكبش الذبيح، ثم يعود، لاهثا، لينفخ على الفرن حيث ينقع الشاي. يقوم سيدي محمد بواجباته في استقبال الضيوف بيد رجل فارع بَرَتْه قيّمُ سخاءِ فئته و الممارسات السحيقة للفنون.

بين رقة خيط الوداعة، و صلابة الكبرياء العنيد، يشحذ سيدي محمد نصْلَ مهارات تعامله مع الآخرين دون أن تكلفه النشوة أي شيء. فيما تعوّد عمّ خديجة، المرحوم المختار ولد أحمد لوله، على سبك أبيات ساخرة، لا هوادة في قسوتها، بحيث لا يجرُؤ مجتمع القوافي على فرك موهبته أو دغدغة عدم تسامحه مع الإذلال. آهٍ لو أنه ما يزال بين ظهرانينا!. أما بالنسبة للعمة الراحلة، عيّه بنت أحمد لوله، المغنية على رأس الأوبرا خلال احتفالات إعلان الاستقلال،فلا أحد سيقول عنها أفضل مما قال الأمير الشهير. فكما هي العادة، في نهاية أي استقبال على شرف وفد كولونيالي، يحصل المطربون على هدايا نقدية. و في مزاح له مع مطربي بلاطه، بعث الأمير حينها بمندوب عنه ليحصل على نصيبه و يمتحن إخلاصهم. و على مضض، أرسل إليه كل واحد منهم فرانكات من تعويضاته. وحدها الفنانة عيّه أرسلت له ما في غلافها المالي برمته، دون أن تفتحه حتى. فاندهش الأمير من كرمها، و أنشد بحقها، في لبتيت الناقص:

يا مولانَ لرزاق/ مكّنْ منهم عيّه

باش إتم الوفاق/ فيهم والعَطيّه

إذن، عندما رأيت و سمعت بكاء خديجة، التّيكويت المهانة على أرض أسلافي وأسلافها،اغرقتني في الحال نوبة من الأسى و اجتاحني وعيي المرهف بضآلتي. فأنا لا أملك الوسائل الكفيلة بإحقاق حقها، و لم يبق لي، و أنا المنهزم، غير خيار تسطير أحرف تكون لي متنفسا و تعبيرا عن الغضب. فالشعور بالانكسار ليس لذيذا. إن معرفتك أن زمنك قد تبرأ منك مجلبة أخرى للانزعاج. من أجل توزيع ثقل العار بين الأربعة ملايين من مواطنينا، و بالتالي تخفيف انعكاساته الشخصية، كنت آمل في هبة احتجاجية تقوم بها نخبنا، مع تمرد و تألم صاخب، يحدوه الحماس اللافح.

لا شيء من ذلك، بل يعم الصمت المسطح في كل مكان، في محيط من الجبن، تذروه نسائم اللامبالاة المخجلة.

باستثناء النساء المحاربات في تجمع المناضلات النسويات الموريتانيات، وحده، ضمن نظرائه السياسيين والوجهاء، عبّر النائب بيرام الداه اعبيد عن فزعه و نبّه إلى ما يتهدد الناس من فداحة النذالة. مع ذلك، لا يتعلق الأمر بالإنذار الأول.فقبل فترة وجيزة، و بمناسبة وفاة فنان، رفض أحد المتحذلقين أي خلاص أخروي للفنانين، و افتخر آخر، من نفس طينته، بأنه لم يتقاطع دربه أبدا مع إيكيوْ. و زعم ثالث، طافح بالخيلاء، أن الصلاة خلف حداد أو ابن عبيد لمتُعرف لها سابقة. ماذا، إذن، يجمع النصابين الثلاثة؟ لُحَيّة، و غباء قانت، و حاجة ماسة في أن يخرسوا على الفور.

إننا نتطلع إلى حشد كبير من المتطوعين يعيد هؤلاء إلى رشد توطئة الأكناف، لأن صحة المجتمع باتت على المحك. إني أشعر بدنو وابل من الصفعات مع طقطقة المقصات الحادة وصرصرة الجزازات.

إذن، يا أصحاب القناعات و الالتزام، أصحاب الشهادات و المتعلمين عصاميا، و الأميين و المهووسين بالكتابة، و العمال و العاطلين، و الرماة و أصحاب الجَرّارات،و الحالمين و المتشائمين، و المتدينين و متحرري الفكر، و معاشر السؤدد و الراضين.... بالقليل، و التجار والمثقفين، و المسرفين و المقتصدين، و شعوب الأنوار و الشفق و الضياء-المظلم، و المجتمعات المنسجمة، و مجتمعات أنصاف الحلول و مجتمعات الإفراط، أي رد تحتفظون به على التنهدات المفجعة لخديجة بنت أحمد لوله؟.فبصوتها الذي استبدت به الغصة، تناشدكم كامرأة و كمواطنة: “أعيدوا لي كرامتي!”. فهل بالغت في الطلب.